إخوان الصفاء

204

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

لها منه ، وهو المانّ بها عليها ، وهو ملتقّى لها من فيض باريه . فلذلك قيل إن تشبّه العقل من باريه أقرب من تشبه النفس ، لأنه يتلقى جود باريه من أمره المتصل ، والنفس متلقية منه ما يمدها ، ونسبتها منه أقرب من نسبته ما دونها . ثم كذلك الأفعال المادية عن كل قوة من القوى المتصلة بكل واحد من الموجودات وما يتعلق به وينسب إليه من أفعاله . فأولها الأصول التي هي أمهات الفروع ، فهي الجواهر الثانية عن الجواهر الأولى المحضة المبرّأة عن التراكيب المؤلفة ، والجواهر الأولى المخصوصة بهذه الصفة ، عالم العقل والنفس ، والجواهر الثانية هي القوى الطبيعية والهيولانية المخصوصة بعالم الأفلاك العالية القائمة بحركاتها الملائكة الموكلون بها ، والفروع البادية منها الأمهات السّفليّات والأسطقسات الجزئيات ، والطبائع الجسمانية ، وما يبدو منها ويتكون عنها من الحيوان والنبات ، وخليفة اللّه فيها وأمينه عليها هو النفس الجزئية التي هي نفس صاحب شرع كل دور ، وهي المدبرة لها في العالم السّفلي ، وهي المتحدة بالجسم المبنيّ بالحكمة الموجودة بإتقان الصّنعة ، وهي المتمّم لها أمور الطبيعة من أعمالها ، فهي ترتب كل شيء من ذلك في مرتبته ، وتستخرج من منفعته ، وتوصله إلى غايته ، فهو في العالم السفلي والمركز الأرضي خليفة اللّه وملكه الموكّل بتدبير ما يكون في الأرض من معادنها ونباتها وحيوانها ، وهي الدائرة الثانية وفلكها ذو حركة دورية مربوطة بها نفس جزئية متصلة بالنفس الكلية ، وفيه كواكب طالعة ، وأنوار لامعة ، وملائكة بالقوة يفعلون فيه ما يؤمرون ، روحانيون بذواتهم الشريفة ، جسمانيون بأجسامهم الكثيفة ، ولكل ملك منهم جنود وأعوان . واعلم أيها الأخ أن في هذه الدائرة الإنسانية يتراءى ما يكون في الدائرة النفسانية والطبيعية ، إذ كان الإنسان المبدع لما يكون من ذلك ، والمبين له بالقول والعمل ، فالقول كالقول بحوادث الجو الفلكي وأحكام النجوم وصفة